الخصائص العامة لمفهوم الزّمن والأيّام عند ابن العربي
يقول ابن العربي في بداية الباب التاسع والخمسين من الفتوحات المكية الذي خصّصه لمعرفة الزّمن الموجود والمقدَّر:
|
إنّ الزّمان إذا حقّقتَ حاصله |
محقّقٌ فهو بالأوهام معلومُ |
فلقد رأينا في الفصل السابق أنّ الزّمن هو أحد أهم الموضوعات في الفيزياء والفلسفة وعلم الكون، لأنه المفتاح لفهم العالَم. ولنفس هذا السبب، نجدُ الشيخ محي الدين ابن العربي يعدّ أنَّ الفهم الحقيقي للزمن هو المفتاحُ الأساسي لإدراك العالَم المادّي والروحاني وفتح عين البصيرة على عالَم الغيب. يقول ابن العربي في الفتوحات المكية إنّ علم الزّمان هو علمٌ شريفٌ منه يُعرف الأزل ومنه ظهر قوله عليه السلام: "كان الله ولا شيء معه"،[83] وهذا علمٌ لا يعلمه إلا الأفراد من الرجال[84] وهو المعبّر عنه بالدّهر الأوّل ودهر الدهور، وعن هذا الأزل وُجد الزّمان وبه تَسمّى الله بالدّهر وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تسبّوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر"[85].[86]
ففي هذا الفصل الذي نحن فيه سننظرُ إن شاء الله تعالى بشكلٍ عامٍّ إلى السِّمات الرئيسيّة المُختلفة لمفهوم ابن العربي للزمن والأيّام حتى نستطيع أن نركّز على القضايا المهمَّة في الفصول التالية؛ لهذا السبب سوف نجد هنا العديد من الإحالات إلى الفصول القادمة حيث نبحث بعض الأفكار الأساسية بمزيدٍ من التفصيل.
على الرغم من أن ابن العربي يُعلنُ بشكل صريح أنّ الزّمن شيء وهمي وخيالي، لكنه ما يزال يعدّه أحد المكونات الأربعة الرئيسية للوجود: الزّمان والمكان والعرَض والجوهر. ثمّ يفرّق ابن العربي بين نوعين من الزّمان: الزّمن الطبيعي والزّمن فوق الطبيعي أو الزّمن الروحاني أو النفساني، وهو يقول إنّ شعورنا بالزّمن ينشأُ من القوتين اللتين تتمتع بهما النفس: القوّة العمليّة والقوّة العلميّة.
من الناحية الأخرى، يصرّح ابن العربي بشكلٍ واضحٍ بأنّ هناك حدّا أدنى للزمن لا يمكن التقسيم بعده وبالتالي فهو يعدّ الزّمن كميّة منفصلة ولكن بطريقة فريدة لم تُناقش من قبلُ أبداً؛ فهو يعتبر أنّ الحدّ الأدنى للزمن هو اليوم على الرغم من أنّنا في الواقع نقسّمه إلى وحدات زمنيّة صغيرة كالساعات والدقائق والثواني وأقل من ذلك !
بالإضافة إلى ذلك فإنّ ابن العربي يتكلّمُ عن الزّمن الدائري والدوري ويعدّ الزّمن نسبيّاً وغير متجانسٍ كما يصرّح بتحدّب الزّمن وانحنائه سابقاً بذلك جميع النظريّات العلمية الحديثة التي عرضناها في الفصل السابق.
من الناحية الأخرى، بما أنه يعدّ اليوم هو الوحدة الحقيقية للزمن، يوجّه ابن العربي اهتمامه إلى المعاني المختلفة لليوم ويعطي تعريفاً دقيقاً لليوم والليل والنهار على الأرض ويُعمِّم ذلك في التطبيق على الأجرام السماوية الأخرى والأفلاك، وكذلك على الأيّام المعنوية للأسماء الإلهية، حيث إنّ كُلّ جرم سماوي أو اسم إلهي له يومُه المؤلف من نهارٍ وليلٍ خاصٍّ به؛ وهذه الأيّام تتراوح بين اليوم الفرد الأدنى والمحدود والذي يساوي اليوم العادي إلى يوم الدّهر الذي هو دورة واحدة لا نهاية لها ولا ابتداء. ولكن في الحقيقة هناك أنواع مختلفة من الأيّام منها أيّام أصلية وأيّام مشهودة وهي متوالجة مع بعضها ومسلوخة من بعضها البعض ومكوّرة على بعضها كما ذكر الله تعالى في القرآن، وسوف نخصّص الفصل الرابع لدراسة هذه العلاقات المختلفة بين الأيّام. وفي الفصل الثالث سوف ندرس أهميّة الأسبوع ومعنى الخلق في ستة أيّام.
[82] الفتوحات المكية: ج1ص291س1.
[83] رواه ابن حبان والحاكم وابن أبي شيبة عن بريدة، وفي رواية: ولا شيء غيره، وفي رواية ولم يكن شيء قبله. وفي صحيح البخاري (الجزء الثاني، الحديث رقم: 3019، والجزء الرابع، الحديث رقم 6982): كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
[84] الأفراد فئة من رجال الله خارجين عن دائرة القطب، بل القطب واحد منهم، الفتوحات المكّيّة: ج1ص53س7. والأفراد هم الذين أفردهم الحق إليه واختصَّهم له وأرخى الحجاب حجاب العادة بينهم وبين الخلق فاستخلصهم لنفسه ورضي عنهم ورضوا عنه، الفتوحات المكّيّة: ج3ص15س15. والأفراد بين البشر مثل الملائكة المهيَّمين [الفتوحات المكّيّة: ج2ص53س18] الذي ذكرناهم في الفصل السابق.
[85] ورد في صحيح مسلم، الجزء الرابع، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، الحديث رقم: 2246.
[86] الفتوحات المكية: ج1ص156-157.


