الزّمن الطبيعي والزّمن الروحاني
كما أسلفنا في المقدمة فإن ابن العربي يُميّزُ بين نوعين من الزّمن؛ الزّمن الطبيعي والزّمن الروحاني أو فوق الطبيعي؛ فالأوّل يُستعملُ لمُقارنة حركة الأجسام والأجرام السماوية، بينما النوع الآخر يُستعملُ لمُقارنة التغيّرات في الحالة الروحانية، مثل الإدراك والمعرفة. وبالتالي فإنّ الشيخ يؤكد أنّ وجود الزّمن لا يتطلّبُ وجود المادة بالضرورة،[111] لأنّ هناك زمن يرتبطُ بحركة المادّة التي هي تحت تأثير الطبيعة، وزمن يرتبطُ بالحركة غير المادّيّة التي هي فوق تأثير الطبيعة أي في العالَم الروحاني.
إذن فالزّمن الطبيعي هو الزّمن المعروف في الفيزياء وعلم الكون وهو الذي نقيسهبالساعات والأيّام والشهور والسنين، أما الزّمن فوق الطبيعي فهو الزّمن الروحاني أو النفسانيالذي نشعر به حتى عندما يكون كُلّ شيء حولنا ساكناً بلا حراك، وذلك لأن حالتنا الروحانية دائماً في تغيّر مستمرّ، ما لم نذهب في نوم عميق. ويبدو، على الأقل محليّاً على الأرض، أنّ الزّمن الطبيعي يتدفّق بشكل موحّد وبشكل مستمر، بينما يعتمدُ الزّمن النفساني كثيراً على المزاج، كما أشار ابن الفارض إلى ذلك بشكل رائع في إحدى قصائده:
|
وفي وصلها عامٌ لديّ كلحظةٍ |
وساعة هجرانٍ لديّ كعامِ[112] |
وأيضاً يقول ابن العربي أنّ الدقائق تصبح كالسنوات أثناء النوم.[113] يُضاف إلى ذلك المثال الشهير الذي يذكره الله تعالى في القرآن الكريم عن أصحاب الكهف.[114] وسوف نُناقشُ هذه الخاصيّة النسبيّة للزمن في هذا الفصل بعد قليل.
لذلك يقُولُ ابن العربي إنّ الزّمان منه ما هو فوق الطبيعة، وهو مذهب المتكلّمين، ومنه ما هو تحت الطبيعة فله الحكم العامّ. فالذي له من الحكم تحت الطبيعة فحكمٌ جسماني يتميّز بحركات الأفلاك. والزّمان في نفسه معقول والطريق إلى معقوليته الوهم، فهو امتدادٌ متوهَّمٌ تقطعه حركات الأفلاك، كالخلاء امتدادٌ متوهَّمٌ لا في جسم؛ فحاصله على هذا القول أنّه عدمٌ لا وجودٌ. وأمّا الزّمان الذي فوق الطبيعة فتميّزه الأحوال وتعيّنه في أمرٍ وجوديّ يُلقيه إلى العقل الاسم الإلهي "الدّهر" وتصحبه لفظة "متى" في لسان العرب؛ فـ"متى" تصحب الزّمان الطبيعي وغير الطبيعي.[115]
لذلك فعندما يقول ابن العربي إنّ أصل وجود الزّمن الطبيعةُ، التي مرتبتها تحت النفس الكلّيّة وفوق الهيولى الكلّ،[116] فهذا يشير في الحقيقة إلى الزّمن الطبيعي الذي يُستعملُ لمُقارنة حركة الأجسام والأجرام السماوية، بينما الزّمن الروحاني، الذي يُستعملُ لمُقارنة تغيّر الأحوال الروحانية، فقد سبق وجودُه وجودَ العالَم الطبيعي المادي. وهذه النتيجة على غايةٍ كبيرةٍ من الأهمّيّة ولم يقل بها أحدٌ من الفلاسفة أو العلماء من قبل؛ أي وجود زمن قبل خلق العالَم بهذا الشكل ولكنّها تدعم رأي أرسطو أنّ العالَم قد وُجد في الزّمان، وإنما ليس في الزّمان الطبيعي. فإذن إنّ العالَم الطبيعي له بداية محدَّدة في الزّمن فهو عالَمٌ مُحدثٌ، وهذا ما يصرّح به ابن العربي في مواضع كثيرة بخلاف ما يتَّهمُهُ به ابن تيميَّةَ وغيره بأنه يقول بقِدمِ العالَم.[117]
[112] انظر في: ديوان ابن الفارض، تحقيق د. عبد الخالق محمود (القاهرة: دار أين للدراسات الإنسانية والاجتماعية، 1995), ص344، قصيدة 15، سطر30.
[113] الفتوحات المكية: ج4ص337س1.
[114] سورة الكهف: 18-25، وانظر أيضاً في الفتوحات المكّيّة: ج2ص9س21.
[115] الفتوحات المكية: ج1ص377س12.
[116] الفتوحات المكية: ج3ص548س19.
[117] لقد أوضحنا هذه المسألة في كتاب شمس المغرب، الفصل السابع: ص424.


