انتقل إلى المحتوى
غلاف نظرية الجوهر الفرد

مكتبة الجوهر الفرد · اقرأ الكتاب

نظرية الجوهر الفرد

مفهوم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيام

د. محمد علي حاج يوسف

الجوهر الفرد

يستخدم ابن العربي نفس المصطلح كما هو الحال في النظريّة الذرّية لعلماء الفلاسفة المسلمين وخاصة علماء الكلام الأشعرية فيقول إنّ الوجود مبنيّ على الجواهر والأعراض، رغم إنّه يختلف معهم قليلاً حول المعنى الدقيق الاصطلاحي لهذه الكلمة كما ذكرنا من قبل؛ فالعَرَض عند علماء الكلام هو صفة ليست لازمةللأجسام مثل الألوان وما شابهها مما يمكن أن يتغيّر مع الوقت في حين إنّ الجوهر لا يتغيّر، أمّا ابن العربي فيعدّ كل الصور التي نراها في العالَم أعراضاً تتغيّر وتزول وهي تحدث في الجوهر الذي يمكن القول إنّه شيء وراء الطبيعة وليس له شكل أو صفة محدّدة في حدّ ذاته، ولكنّه يأخذ صفات مختلفة بحسب الأعراض التي يظهر بها، فالجوهر شيءقائم بنفسه في حين إنّ العرض لا يقوم إلاّ في الجوهر، ولكّن الجوهر كما قلنا لا يظهرفي الوجود بنفسه وإنّما من خلال الأعراض التي يلبسها، لذلك نحن لا يمكن أن نرى الجوهر وإنّما نرى الأعراض فقط. فيقول ابن العربي إنّ من شرط وجود العرض وجود المحل، والجوهر محتاجٌ فيما أعطاه الحقّ من خلق العرَض فيه، إذ لا يكون له وجود إلا بوجود عرض ما.[534] ثم يضيف في مكان آخر فيقول إنّ العرض لا يستمرّ في الوجود زمانين، بل ينعدم تلقائيا في الزّمن الثاني بعد زمان وجوده،[535] كما رأينا في آخر الفصل السابق.

وبشكل عام تُستعمل كلمة جوهر للدلالة على كل شيء واقعي أو حقيقي، وهي في الأصل تُستخدم للأحجار والمعادن النفيسة، وكذلك هي المقولة الأولى من المقولات العشر لأرسطو، كما استخدمها بلوتينوس أيضاً للدلالة على الحقّ الواحد الأزلي الذي يدعوه أيضاً جوهر الجواهر (Monad of Monads). وكذلك ابن العربي يستخدم كلمة الجوهر للدلالة على الحقّ الواحد ولكن ليس كاسم من أسماء الله تعالى وإنّما للعقل الأوّل أو الإنسان الكامل وهو بالنسبة لابن العربي الجوهر الفرد الوحيد الذي يمكن أن يتّصف بالوجود الحقيقي.[536]

ولكن على الرغم من هذا الاصطلاح المحدّد للجوهر عند ابن العربي فهو لا يزال يستخدمه بصيغة الجمع للدلالة على الجواهر التي يظهر بها هذا الجوهر الفرد الوحيدوهي العقول الجزئية أي ذوات الأشياء سواء من الناس أو الجنّ أو الملائكة أو حتى النباتوالجماد. فهذه الجواهر أو العقول الجزئية هي عبارة عن صور أو انعكاسات يظهر بها هذا الجوهر الفرد أو العقل الكلّي في مستويات الوجود المختلفة، ولكنّ الجوهر الفرد لا يزال هو الوحيد الذي يتّصف بالوجود الفعلي،[537] ولكنّ وجوده بالله لا بنفسه، والله وحده هو الوجود الحقّ القائم بنفسه.

[534] الفتوحات المكية: ج2ص179س26.

[535] الفتوحات المكية: ج2ص677س30، ج3ص452س24.

[536] الفتوحات المكية: ج2ص675س6.

[537] الفتوحات المكية: ج3ص452س24.

كتب أخرى للقراءة