الأزل
يوضّح ابن العربي في رسالته الصغيرة بعنوان "كتاب الأزل" أنّ هذه الكلمة هي نعت سلبي بمعنى أنّه نفي الزّمان وليس امتداداً لا نهائياً في الزّمان كما قد يتوهّم منها؛ فليس هناك شيء فعليّ اسمه الأزل، ولكنّه يعني عدم وجود بداية في الزّمان. بهذه الطريقة ليس هناك أيّ معنىً للسؤال فيما إذا كان هناك أيّ امتداد زمني بين وجود الله تعالى ووجود العالَم، لأن الله يخلق العالَم خارج الزّمن، كما ناقشنا ذلك في بداية هذا الفصل أعلاه.
لقد كان هناك نقاش طويل بين الفلاسفة وعلماء الدين الإسلاميين حول معنى الأزل والزّمان فيما يتعلق بالله تعالى، فيقول بعض الفلاسفة على سبيل المثال إنّ الله كان يتكلّم في الأزل وقال لموسى عليه السلام: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)﴾ كما ورد في سورة طه، وقال لمحمّد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾ كما ورد في سورة الحجر. وهكذا يقولون ذلك لأنّنا لا يمكن أن نتخيّل ذلك القول من الله تعالى في زمان موسى أو في زمان محمد صلى الله عليهما وسلّم، لذا يجب أن يكون مثل هذا الخطاب أزليّاً. ومن هنا يأتي الاختلاف الكبير بين بعض الفلاسفة المتكلّمين حول موضوع خلق القرآن. ولكنّ ابن العربي وضّح أنّ كلّ هذه التفسيرات ليست صحيحة، وأنّهم ينتهون بحصر الله في الزّمن وذلك خطأ كبير، ويقول إنّ موسى هو الذي سمع كلام الله تعالى خارج الزّمان لأنّ المتكلّم تكلّم خارج الزّمان، فإنّ تقديس موسى عن الزّمان أولى وأقرب إلى العقل من مقارنة الله تعالى بالزّمان.[244]
إذن لو أخذنا المعنى الصحيح للأزل وهو نفي البداية فيمكننا أن نتساءل: هل كان هناك أي واحد في الأزل مع الله تعالى؟ فيقول ابن العربي إنّ هناك عدّة آراء مختلفة حول هذا الموضوع:
* فهناك فئة قالت إنّ القدماء أربعة: الخالق والعقل والنفس والهباء.
* وفئة أخرى قالت إنّ القدماء ثمانية وهي الذات والسبع الصفات.
* وفئة أخرى قالت إنّه ليس هناك أي قديم سوى الذات ولكن لها صفات تدعى بها مثل القدرة والإرادة وغيرها.
*وفئة أخرى أخذت هذا الرأي الأخير وأضافت إليه مفهوم حقيقة الحقائق التي لا تتصفبالوجود ولا بالعدم، بل هي مع القديم قديمة ومع المخلوق مخلوقة؛ فهي لا توجد بذاتها، وذلك مثل الخشبية في الخشب والتربيع في المربّع.
ويبدو جليّاً أنّ الصوفية هم من هذه الفئة الأخيرة وخاصة ابن العربي الذي يربط بين بداية الخلق وحقيقة الحقائق وأحياناً يدعوها الحقيقة الكلّيّة وعنها وُجدت الحقيقة المحمّديّة، كما صرّح في الفتوحات المكيّة في الباب السادس "في معرفة بدء الخلق الروحاني ومن هو أوّل موجود فيه" أنّ بدء الخلق الهباء وأوّل موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية، ولا أين يحصرها لعدم التحيّز، ووجدت من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم.[245]
Herbert Alan Davidson,Proofs for Eternity, Creation, and the Existence of God in Medieval Islamic and Jewish Philosophy(Oxford: Oxford University Press, 1987).
[245] الفتوحات المكية: ج1ص118س5.


