الأيّام الأصلية (أيّام الشأن)
وضّحنا في الفصل الثّاني أنّ هناك حدّاً أدنى للزمن لا يقبل القسمة يسمى اليوم الفرد أو يوم الشأن لأنّ فيه يحدث شأنٌ واحدٌ في العالَم، ولو أنّ هذا الشأن سيكون مختلفاً بحسب المستقبلات كما سنوضّح بعد قليل. ولكن على كلّ حال نحن في الواقع نشهد شؤوناً كثيرة في كلّ يوم بل في كلّ حين، ولذلك يقول ابن العربي إنّ الأيّام التي نشهدها ليست هي الأيّام الأصلية. في كلّ يوم من أيّام الشأن هذه يخلق الله تعالى حدثاً واحداً في العالَم، ولكن بما أنّ الله تعالى يُعيد خلق العالَم في كلّ آن كما أشرنا من قبل وكما سنشرحه بالتفصيل في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى، فيبدو لنا هذا اليوم كلحظة واحدة لأنّنا لسنا موجودين في كلّ مكان في العالَم بل نحن (كروحٍ مدرك) فقط في نقطة واحدة منه؛ ففي كلّ لحظة بالنسبة لنا هناك يوم شأن في أنحاء العالَم بحيث يكون مساءٌ في مكان وصباحٌ في مكان آخر وظهرٌ في مكان ثالث.
كذلك يوضّح ابن العربي أنّه في كلّ يوم من أيّامنا الطبيعية، أي من غروب الشمس إلى غروبها أو من شروق الشمس إلى شروقها، هناك نهاية ثلاثمائة وستّين يوماً،[385] (وذلك بفرض الدائرة 360 درجة)؛[386] ففي كلّ لحظة من اليوم الطبيعي هناك نهاية (أو بداية) يوم في مكان ما، وكذلك هناك بداية (أو نهاية) يوم آخر في مكان آخر.
ولتوضيح هذا الأمر، دعنا نقسّم محيط الأرض إلى 360 خط طولي واليوم إلى 360 درجة؛ لذلك فإنّ أيّ يوم كامل مما نشهده في أيّ مكان معيّن هناك نهايات 360 يوما من الأماكن الأخرى على الأرض؛ أو بالطّريقة نفسها، هذا اليوم هو مجموع الدرجات الأولى من 360 يوم حول الأرض.
على سبيل المثال دعنا نفترض أنّنا موجودون على الخطّ الطولي الأوّل في الدرجة الأولى من اليوم، فتكون الدرجة الثانية من هذا اليوم على هذا الخطّ الطولي الأوّل هي الدرجة الأولى من اليوم الذي يبدأ على الخطّ الطولي الثاني، وهكذا. وكذلك يمكن أن نقول أيضاً بأنّ الـ360 درجة من درجات اليوم على الخطّ الأوّل هي مجموع الدرجات الأخيرة للخطوط 360, 359, 358 وهكذا إلى الخطّ رقم 1. لذلك ففي كلّ لحظة هناك يوم كامل واحد حول الأرض: الآن، على سبيل المثال، هو صباحٌ في مكان ما وظهرٌ في مكان آخر ومساءٌ أو منتصف الليل في أماكن أخرى؛ لكنّ الكلّ في المجموع يوم كامل واحد.
لذلك فإنّ تدفق هذه الأيّام الأصلية هو التدفّق الفعلي للزمن أو للأحداث التي تغطّي المكان والزّمان. لكن بما أننا نعيش عادة في مكان واحد فقط فإنّنا ندرك مساحة صغيرة جدّاً من الفضاء الكامل للكرة الأرضية، فإنّنا نشهد زمناً خطيّاً، بينما الحقيقة أنّ هذه الأيّام التي نشهدها مكوّرة ومتوالجة مع هذه الأيّام الأصلية.
[386] من حيث المبدأ يمكن أن نقسّم الدائرة رياضياً إلى 360 درجة أو 400 غراد أو (2p) راديان أو في الحقيقة إلى أيّ عدد من الوحدات. لكنّ ابن العربي يؤكّد أنّ نظام الدرجة 360 له أصل إلهيّ حيث إنّه هو عدد العلوم المجملة التي تلقّاها العقل الأوّل من العنصر الأعظم (الفتوحات المكّيّة: ج1ص295س8، وكذلك في كتاب التنـزّلات الليلية في أحكام الأحكام الإلهيّة: ص35، وقد رأينا في الفصل السابق أنّ ابن العربي يعدّ السنة الإلهيّة 360 يوماً. ويبدو أنّ هذا النظام يعود إلى البابليين الذين أيضاً قسّموا اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية كما نفعل نحن اليوم.


