انتقل إلى المحتوى
غلاف نظرية الجوهر الفرد

مكتبة الجوهر الفرد · اقرأ الكتاب

نظرية الجوهر الفرد

مفهوم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي للزمن والخلق في ستة أيام

د. محمد علي حاج يوسف

الأيّام الأصلية والتدفّق الفعلي للزمن

يقول ابن العربي في ديوانه:

إذا شمسُ النفوس أرت ضُحاها

تزايدت القلوب بما تلاها

تراها فيه حالاً بعد حالٍ

ومجلاها الهلالُ إذا تلاها

وإنّي من حقيقتِه بسِرّي

كمثلِ الشمس إذ تعطي سناها

فما أنا في الوجود سواهُ عيناً

وما هم في الوجود بنا سواها

فتلك سماؤنا لَمَّا بناها

وهذي أرضنا لَمَّا طحاها

مِن أَجلي كان ربّي في شؤون

وقد بلغت فواكهُهم أناها

سنفرغ منكمُ جوداً إليكمْ

لتعطي نفوسكم منها مُناها

ويلحمها بذات منه لمّا

علمت بأنها كانت سداها

يعذّبنا النهار سدىً وويلا

وليلته يعذّبنا نداها

فغطّاها الظلامُ بسِرّ كوني

 

وجلاّها النهار وما جلاها[384]

تعتمد رؤية ابن العربي لعملية الخلق على حقيقة أنّ الله تعالى يخلق العالَم بشكل متسلسل؛ حيث يخلق سبحانه في كلّ يوم حدثاً واحداً فقط، وذلك من قوله تعالى في سورة الرَّحمن: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. فعلى الرغم من أنّنا نلاحظ عدداً كبيراً من الأحداث المختلفة تحدث على ما يبدو في كلّ يومٍ بل في كلّ آن، ولكنّ ابن العربي يؤكّد أنّ اليوم الأصليّ لا يمكن أن يسع إلاّ حدثاً واحداً فقط، ولكن كما أشرنا من قبل فإنّ هذه الأيّام الأصلية مع أنّها تساوي هذه الأيّام المشهودة ولكنّها متوالجة معها بحيث إنّنا نشهد في اليوم الواحد الطبيعي لحظات مختلفة من الأيّام الأصلية مما يجعلنا نشاهد أحداثاً كثيرة متباينة. ولذلك يجب علينا أن نفهم كيف يتدفّق الزّمن الحقيقي وما هي علاقته بالزّمن المشهود، من أجل نفهم آلية الخلق في ستّة أيّام كما أشرنا إليها في آخر الفصل الثالث.

فيوضّح ابن العربي أنّ التدفّق الفعلي للزمن (الأسبوع الأصلي الإلهي كواحدة أساسية للمكان والزّمان) ليس هو التدفّق المشهود من الأحد إلى الاثنين وهكذا إلى يوم السّبت؛ فهذه الأيّام التي نشهدها في الوضع الطبيعي من أيّام الأسبوع هي الأيّام المكوّرة وليست الأيّام الإلهية الأصلية (أيّام الشأن) التي يحدث فيها حدثٌ أو شأنٌ واحدٌ فقط في كلّ يوم. ومن أجل أن نعرف العلاقة بين هذه الأيّام الأصلية والأيّام المشهودة يجب علينا أوّلا ربط كلّ ليلة بنهارها الخاص بها، لأنّ الأمر أيضاً ليس كما نلاحظ عادة أنّ ليلة كلّ نهار هي الليلة التي تسبقه أو التي تليه، لكنّها كما يقول الشيخ الأكبر مسلوخة ومنفصلة عنه بثلاثة نهارات وثلاثة ليال، وذلك من قول تعالى في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾. ويؤكّد الشيخ الأكبر أنّ هذا السلخ هو السبب الأساسي لبنية العالَم الثلاثي الأبعاد وقد شرح رضي الله عنه هذه العلاقات بين الأيّام المشهودة (أيّام التكوير) وأيّام السلخ وأيّام الإيلاج في كتاب أيّام، وسوف نجد أنّ ابن العربي يقدّم بذلك مفهوماً جديداً فريداً عن الزّمان (والمكان) لم يتوصّل إليه أحد قبله ولا ناقشه أحد بعده حتى الآن، وسوف نرى أنّ هذا المفهوم البديع يصلح أساساً لنظريّة متكاملة حول بنية الكون ونشأته وعلاقته بالخالق سبحانه.

[384] الديوان: ص163.

كتب أخرى للقراءة